قبل أن تقرر انتقامك عزيزي ترامب: ممن تنتقم؟

محمد الخزامي- بيروت الآن

أحبّ أن أطلّع على آراء الكتّاب الأمريكيين وانتقاداتهم لترامب، لا سيما وأنّه قد باتَ واضحًا لنا جميعًا سُوء إدارته للمهمات الصعبة وأنّه ليس  “السوبر هيرو” (المنتظر) ليخلّص الشعب الأمريكي من جائحة الوباء المنتشر. بسُخريةٍ مُلفقة بالاستهجان تقول الكاتبة الأمريكية اليزابيث درو: “عندما هتف الأمريكيون نحن رقم واحد في الماضي، كان ذلك لأننا فُزنَا في الأولمبيد، الآن نحن رقم واحد لأننا تصدّرنا الحالات المؤكدة من فيروس كورونا”. بدوره، يضيفُ الكاتب غرانيت سترين ساخرًا: “أكبر تهانينا لأمريكا على الإطلاق ! الأرقام مُذهلةٌ حقًّا، ونحن رقم واحد مرّة أخرى ! أترون! أخبرتكُم أنّنا سنكونُ رائعين مرّةً أخرى! أكبرُ تفشّ للفيروس في العالم كلّه لدينا! لا أحدَ أكبر منَّا نحن الأفضل!” وينهي تساؤله بالقول:” كيف يفكّر ترامب الآن على وجه الخصوص” ؟

ولأردّ على العزيز غرانيت وأقول له أنّ ترامب يفكّر على طريقة أغنية المسلسل الشهير “La Casa de Papel” التي يقول مطلعها:
“If I’m losing now, but I’m winning late 
That’s all I want!”

نعم، هو لا يعنيه إن كان يخسر الآن مادام يعتقد أنّه بقيامه لأكبر حادثة سطو للكمامات تحدث في التاريخ (6 ملايين كمامة) ستجعله أكبر فائز غدًا في هذه الحرب الوبائيّة. ولئن كان قد سطا ترامب بجشعه الرأسمالي في السابق على أراضي شعب أعزل هل كان ليتراجع عن فكرة مجنونة كالسطو على هذه الأقنعة الطبية؟ بل إنه عن جنون، استولى على طائرات عدّة ومنع وصول المعدّات لغير بلده، وأرجع بالمقابل آلاف الطائرات التي كانت ذاهبة لأخذ المعدات الإنعاشيّة من الصين!

إنه رجل الاحتكار، لذا لم يع إلا لاحقًا أنَّ حماية المواطن أجدى من حماية اقتصاد الوطن، وأن التأمين على الصحة وتوفير الأمن الوقائي ومعدّات الحياة، أجدى من التأمين على الإرهاب الذي تُصنع من أجله معدّات الموت، وآلاف الأسلحة الفائقة التعقيد الكفيلة بتدمير الكوكب، وهاهو ذا العالم يفتقر إلى آلاف الأجهزة الطبيّة التي قد تنقذ أرواحًا بشريّة عاجزة عن مواجهة عدّو لا متناه في الصّغر، ليبدو كلّ ما صُنع من أجهزة فتاكة هو خردة نووية لا نفع لها الآن، ذلك أنّ تكريس العلم لخدمة البشريّة أكثر نجاعة غدًا من تكريسه لصناعة الحروب والجوع، وتوظيف العلماء لخدمة الأرض والإنسان أهم من توظيفهم لصالح شركات تتاجر بالإنسانية جمعاء وتتحالف مع القوى السلطوية.

لو كان ترامب قد سعى في الماضي إلى التأمين على الأوبئة لكان الآن أكثر مستفاد اقتصاديًا وسياسيا حقًا، قبل أن تصعد بورصة الوفيات في بلده فجأة وتتصدّر العالم، لكنه ككل الجبابرة الحمقى لا يضع في باله أنه قد يُحكَم في قضبة كائن لا مرئي لا يمكن مواجهته بكل ما صنعَ وامتلكَ من أسلحة دمارية شاملة، بل ولن يبالي لأيّ نصائح موجهة له من الأطباء ولا المستشارين.. مباهيا بجنون عظمته وبالكوارث التي أحدثها في أوطان سلبها ثرواتها وأمنها اليوميّ متحدثا بلغة الانتقام !

لكن يا للسخرية بعد كل تلك الحروب العبثية يا ترامب! من كان يدري أنّ الاحتياط العالمي الأهم ليس مخزون النفط كما كنا نعتقد بل المخزون الطبي والصيدليات والأدوية وأنه كان يجب توفير أكبر عدد من المعدات الطبيّة ذات يوم، بدلا من توفير الأسلحة ليكون أكبر مستفاد في الحروب البيولوجية ذات يوم هو أكبر مُأَمّن عليها قبل أي شيء آخر، وأكثر من يُغادرها بأقلّ الأضرار البشرية والاقتصاديّة!

بمنتهى آخر لجنون العظمة يكتب ترامب في تغريدة له “أمريكا هي الأقوى” بعدما قال في تصريحه: “نحتاج للأقنعة الطبية ولا نريد للآخرين أن يحصلوا عليها لذلك فعلّنا الإنتاج الدفاعي، بإمكانكم أن تسمّوا هذا انتقامًا!”
برّبك ترامب عن أي انتقام تتحدث؟ بل أنت تنتقم ممن؟ ممّن تدفعهم الغريزة للبقاء قيد التنفس ؟ الانتقام ! لا تقلها يا رجل!

إن كان يجدر بأحد الانتقام وردُّ ضربةٍ ما هو الشعب السوري مثلًا، الشعب الذي ظلمته بجشعك وأهلكت ما فيه. هل نحن العرب من رمى القنابل والغازات الكيماوية على أطفال خان شيخون الذين اختنقوا بدخان لاإنسانيتك قبل سنوات قليلة؟ هل نحن من موّلنا الخراب ودفع الاقتتال وصنع الأنظمة الإرهابيّة ودعم القتلة من أجل المنشآت النفطية وبحثًا عن المطامع الجديدة؟ ثمّ… ماذا يساوي قتلاك أمام قتلانا؟ ألم تتصدر سوريا العالم بجثثها، وتحوّلت إلى أكبر دولة دُمرت في التاريخ الحديث؟
ثم.. هل بإمكانك الآن أن تخبرنا كيف يكون الخوف كلما سمعت الأخبار التي تتحدث عن تزايد أعداد القتلى “الأبرياء”؟ لديك – وربما خسرت منهم من كانوا قد يصوتون لك في الانتخابات القادمة؟ هل بإمكانك أن تراجع كل ذلك أيها الرجل الأصفر، وتراجع منهجك الرأسمالي الذي ستغدر بك أسهمه فاضحا عولمة العالم الكاذبة وأبرز هشاشتكم وضعفكم أمام أصغر كائن استطاع الإفلات من المختبرات السرية وعجزتم عن الإمساك به، فلفرط ما روّجتم فكرة سيطرتكم على كل الوحوش التي تخرج من مختبراتكم فجأة مُتجولةً في الساحات وتقضي على الآلاف، ربما لم تتوقعوا خروج وحش لا مرئي متجولا في الساحات والأجسام ويفرغها من الحياة والحركة، عدو لا يمكن التفاوض معه ولا إقناعه ولا ترويضه.. وكل ما يعنيه أن ينتشر..

عزيزي ترامب.. لست من هُواة توجيه النصائح إلى السياسين طبعا، وقلمي لم ينصفك يوما، فقط أنا محض ذاكرة عربية لم تخطئ ولم تنسَ و يحتك نصالها كل يوم بالأحداث الساخنة، لذا ذكرتك بكل هذا.. ومن جملة ما أذكرك به أيضا أنك كمعظم المصابين بجنون العظمة الذين يرددون في لحظات ضعفهم القصوى بعبارة “أنا الأقوى” درءًا لخوفهم النفسي الشديد الكامن بداخلهم، ولذا حتى عند انحسار هذا الوباء العالمي وعودة الحياة إلى أمريكا من جديد، لن يعود مُمكنًا إقناعنا بأنّ بلدكم هو الأقوى، فقد بات واضحا أن وباء عابرا للقارات بإمكانه أيضا السخرية منك طويلا!

محمد الخزامي

شاهد أيضاً

الرئيس بري يدعو اللجان المشتركة لاقرار قانون “الدولار الطالبي”

أصدرت جمعية “أهالي الطلاب اللبنانيين في الخارج” بيانا شكرت فيه رئيس مجلس النواب نبيه بري …