هل قارب الغرور الأمريكي أن يغتال نفسه بجرعة زائدة؟

هذه المرة أيضا، لم تخنّي “ملاقطي الخاصة”، وجوسستي الافتراضية، واستطعتُ اختطاف فيديو تداوله نشطاء أمريكيون قبل أن يحدث تعتيم حوله وتحذفه السلطات الأميركية، ولا يزال الفيديو يتعرّض إلى الحذف في كل مرّة، ولأنني تعلمت أهم درس في الصحافة هو “حماية مصادري”، أسرعت بحِفظه.

الفيديو، هو لجُنديّ أمريكيّ لا يزال بثيابه العسكرية، قد قرر إلقاء “خطبة” تحريضيّة، واصفًا المظالم والوعود الزائفة التي يُوعدُ بها الملتحقون الأمريكيون ب”الواجب العسكري”، مقابل المهام الحربية التي يكلّفون بها.

يقول المجنّد العسكري في غضبه وسط الجموع:
“أنا هنا لأقول لكم، ولكل الذين يخدمون في الجيش العسكري والبحري والجوي معا.. لديكم مطلق الحريّة في رفض المشاركة في هذه الحروب الإجراميّة، وهذا الحقّ الذي يجب عليكم أن تمارسوه جميعًا، ليس لديكم أي سبب يدفعكم لتعرّضوا حياتكم للخطر وتُقتلون من أجل ربح الآخرين”.

يضيف الرجل مع التصفيق المؤيد له:
“نحن نعرف الأسباب الفعلية لهذه الحروب، لقد دخلنا الجيش لأسباب عدّة، لأننا نحتاج إلى التعليم الجامعي، العمل، الرّعاية الصحيّة، وعندما التحقنا بالجيش تمّ إعلامنا أنّ أعداءنا من هم هناك في تلك الأراضي التي دخلناها، ونحن ندرك أنّ أعداءنا ليسوا من هم خارج أمريكا أو الناس الأبرياء، بل أعداءنا هم من طردونا من وظائفنا، هم هنا في هذا البلد الأغنى.. هم أصحاب حكومة النفط وشركات السلاح والعصابات الثرية”.

هل كانت تحدث انتفاضات داخل أمريكا من الكوادر العسكرية والمعارضة للسياسة الأمريكية يقع التعتيم عليها؟ وهل يُساق الجُنود العسكريون دون رغبتهم إلى الحرب تنفيذا للتعليمات الصارمة والمهددة لحياتهم وأملاً منهم في إنقاذ عائلاتهم الصغيرة، فيجبرون على قتل عائلات عربية أخرى في سوريا والعراق؟ وهل أن أقوى جيش في العالم مخذول من رفع راية كرامته على أرضه نفسها؟ وأن كلّ ما يسمونه تطهيرا وانتصارا ليس سوى تمثيلا أكاديميا..!

الفيديو الذي انتشر لم يكن الوحيد، فأكثر من محللين أمريكيين ومعارضين اعترفوا في مؤتمراتهم بما يحدث من مخططات، ويكفي أن تبحثوا.

اليوم، بتّ أعتقد أنّ أمريكا لم تعد تؤمن بجدوى التضحية بجنودها وإقحام نفسها في الحروب العسكريّة أصلا، وغدت عاجزة أمام دفق التسربيات المعلوماتية من حصار الفضائح التي تخرج من جيوشها، وأصبحت تعاني من وجود مجندين معارضيين يُؤلبون جنودا آخرين للعزفِ عن خوض القتالات اللاّمُجدية.. لدرجة أن بعض “المبعوثين” منهم قد تأثّروا باكيين أمام جثث الأطفال، وسُربت صور يقدم فيها جنود أمريكا الورود والأطعمة للأمهات والأطفال.. فيما عانى نصف الملتحقين منهم بأضرار نفسية انعكست عليهم، بعدما فهموا أنهم محض بيادق في اللعبة الأكبر.

إضافةً إلى هذه الأسباب، ثمة فضائح من نوع آخر، هي أنّ العكسريين الأمريكيين هم من “عساكر قوس قزح” (حسبَ عنوان إسم إحدى الروايات)، أي أن جلّ الملتحقين قد يكونون من ذوي الميولات الشاذة، فقد قام أحد العسكريين في إحدى الهدنات، بتقديم خاتم زواج لشريكه في الجيش (وكاد الآخر أن يغمي عليه)! إضافة إلى أن الأعمال الفنية عممت هذه النقطة، وفضحت فساد الجيش الأمريكي الباطني، وقدمت أفلاما عن علاقات شاذة تحدث بين أمريكيين وعراقيين وفلسطينيين، وأحرجت الشأن الداخلي الأمريكي، وخجل البيت الأبيض احمرارا.

اليوم أيضا، برغم كل الأرباح الاقتصادية التي جنتها من كلّ الأرواح، يتجه الاقتصاد إلى الانهيار لا محالة حسب أقوال المختصين، في كارثة أكبر من 2008، ولذا عليها أن تغير اليوم العملة بحرب أخرى مبتكرة عمّا مضى، باختراعها حربا بيولوجية، في محاولة لإنقاذ اقتصادها ومكانتها.. ومحاولة هدم اقتصاد الكوكب الصيني الذي سيقلب خارطة العالم في الأيام القادمة.. وإن على حساب التضحية بشعبها هذه المرة.

إن أمريكا التي تحترف التعتيم وصناعة البروباغندا وكسب الرأي العام لصالحها في كلّ مرّة، تمرّ الآن بعد دخولها حربيّ سوريا والعراق، بأكبر فضيحة إعلاميّة لن تستطيع إخفاءها، مهما حاولت، إنها تتستر بقوة الحرب البيولوجية وبأرقام المصابين لديها، وهي تدري في سرها مع علمائها المتواطئين، أن الحرب البيولوجية هي الأسرع فتكا، دون قطرة دم، ولا احتلال أرض، ولا تمويل نظام، بل إنها الأكثر قدرة على تحقيق أهداف جشعها.. لكن هل قارب الغرور الأمريكي أن يغتال نفسه بجرعة زائدة ؟

محمد الخزامي

شاهد أيضاً

الرئيس بري يدعو اللجان المشتركة لاقرار قانون “الدولار الطالبي”

أصدرت جمعية “أهالي الطلاب اللبنانيين في الخارج” بيانا شكرت فيه رئيس مجلس النواب نبيه بري …