نفسيا: ما الذي يدفع البعض إلى نقل العدوى إلى الآخرين؟

قرأتُ في إحدى المرّات خبرًا مرعبًا، وهو أكثر رعبا لأصحاب المواعدات الجنسيّة، الخبر، مفادهُ أن امرأةً مصابة بفايروس الإيدز، قد قررت الانتقام من زوجها الذي أحبّته وخانها، من خلال إيذاء عدد كبير من الرجال، بنقل المرض إليهم، حيث تفاجئ رجلًا بعد آخر في الغد برسالة ساخرة على هاتفه:
“أهلا بك في عالم السيدا”!

في اعترافاتها، قالت المرأة، أنها قد زهدت في جميع الرجال بعدما خانها زوجها مع إحداهنّ ونقل إليها مرضًا لا تستحقه، هي التي كانت تظنّه من المستحيل أن يواعد غيرها، أو يفضل عليها أخرى.. وهكذا، قرّرت أن تقضي ما تبقى لها من عمر في نشر المرض ما استطاعت.. وفي هذا عزاءٌ لغليلها!

في واقعة أخرى، تقدّمت شكايات ضدّ مجهولين، من فرنسيين اعتادوا ارتياد قاعات السينما، فقد وصف كلّ منهم أنه قد أحسّ عند جلوسه على المقعد بوخزٍ خفيف، ولأنّ القاعات تكون مظلمة عند العرض، انتبهوا جميعا لاحقا بإبرٍ غُرزت في المقاعد، مع ورقة كتب عليها: “لقد تم حقنكم بفايروس الإيدز” وأكدت التحاليل الطبّية أن الإبر كانت حاملةً بالفعل لهذا المرض. أما في لبنان، فقد تم التبليغ في إحدى المرات، عن وجود إبر مزروعة في الصّرّافات الآلية، وتبين فعلا أنها حاملة لفايروس فقد المناعة البشريّ، ما خلق جدلا واسعا عن وجود عصابات وبائية هدفها إصابة أكبر عدد من اللبنانيين.. تزامنًا مع أحداث سياسية هامة.

اليوم، وسط التحذيرات العالمية والمحليّة الداعية لإلزام الناس في بيوتهم بعدما أصبح فايروس كورونا (كوفيد 19)، وباءً عابرا للقارات وأمام دعوات الامتثال بالحجر الصحيّ العام، يتساءل كثيرون عن الدافع النفسيّ الخفيّ الذين يجعل بعض المصابين ينقل المرض عمدًا إلى الآخرين، بل وبأقذر الأساليب، فقد رصدت كاميرات المراقبة أن البعض تعمد البصق في المناديل أو على مكاتب الأطباء وأزرار المصاعد والحافلات، وآخرين بطريقة مبتكرة من خلال شرب الماء واستخدام رذاذه لنقل العدوى على الأبواب والمقاعد وغيرها من الأماكن العمومية، فيما قام آخرون بترك لعابهم على أغراض المتاجر، والعُلب الغذائية.

يشير علم النفس إلى أنّ الذين يتعمدون نقل الأمراض المعدية هم أصلا مرضى نفسانيين إما بحالات العدوانية المفرطة أو الانفصام أو الأنانية لا سيما وأن وصف الإعلام لهم بصفتهم أشخاصا وبائيين زاد من تعميق أزمتهم مع ذواتهم.
تضيف صديقتي الأخصائية النفسية “وئام روين” أن البعض، يريد مشاركة الآخرين معركته الوبائية مع المرض، حتى لا يشعر أنه المصاب الوحيد، ولينجو في اعتقاده، من النظرة العنصرية أو الدونية، وثمة من يتحكم به في هذه الحالات حبه للتشفّي في الآخرين، فيجعل المرض يتفشّى، وثمّة كذلك من يُصيبه جنون العظمة الوبائيّ، فيشعر بأنه صاحب القوة والنفوذ بمجرّد إصابته، وبأنه يستطيع استخدام مرضه كسلاح بيولوجيّ. ولأن الأمراض النفسية هي الأكثر وجودا بين البشر، سيصادفهم هذا الوباء وسيصادف من يكونون بطبعهم غير متصالحين مع ذواتهم، فينقلون كرههم لأنفسهم إلى الآخرين من خلال نقل الوباء!

من ناحية أخرى، يشعر البعض بعدم العدالة الإلهية أو الاجتماعية، لحظة يصاب، ويستنكر في دخيلته أن يكون هو صاحب المرض بالذات، فيحاول التسبب في العدوى ظنا أن عدالته البشرية أكثر إنصافا بتعميمها للمرض!

تجتمع هذه الحالات، في كون أنّ علاقتها في الأصل مهزوزة مع ذواتهم والآخرين لا سيما منهم الانفصاميين عن الواقع والنرجسيين الذين منذ الأزل يستخدمون أي قوة تضاف إليهم لسحق الآخر في محاولة للتساوي معه أو الانتقاص منه، وهي أعلى درجات النرجسية الذاتية.

في عالمنا العربيّ الموبوء مسبقا بالجهل وعدم الوعي، سنعاني من أكثر المرضى تعقيدا في حال ارتفاع عدد المصابين… وأما وقد أصبح لنا عدو لا مرئيّ جديد هذه المرة، سنسمع قريبا بانتحاريين وبائيين، بدلا عن أولئك الانفجاريين، بدءًا لزمن الإرهاب البيولوجي.. أمام كل ما عاصرناه من حروب!

محمد الخزامي

شاهد أيضاً

الرئيس بري يدعو اللجان المشتركة لاقرار قانون “الدولار الطالبي”

أصدرت جمعية “أهالي الطلاب اللبنانيين في الخارج” بيانا شكرت فيه رئيس مجلس النواب نبيه بري …