الرئيسية / أخبار محلية / “فارق العمر بين الشريكين”

“فارق العمر بين الشريكين”

بقلم هبة إبراهيم

نقلاً عن Entrepreunews

كلّ شيء كان متوقّعاً..كلّ الاحتمالات كانت في خاطري واردة ..أنّه ليس بأعزب ..أنّه مصابٌ بمرضٍ لم ينل من ضحكته المشعّة ..لربّما يحمل اسمه الأخير أطفالٌ أربعة ..حتّى أنّني توقّعتُه النصف الآخر لفتاةٍ محظوظة باكتمال فجوة حلمها ..توقّعتُ أن لا يراني هي التي تستحقّه ..تستحقّ هذا الكمّ الخُلقيّ والخَلقيّ المكوّن منهما ..توقّعت كلّ شيء ..كلّ شيء عدا هذه الصاعقة ..تلك التي حلّت عليّ لتقسمني أرباعاً ..كلّ شيء كان متوقّعاً ..عدا أنّه يصغرني سنّاً”.

هذا ما قالتْه إحداهنّ لحظة لقائي بها صدفةً في إحدى المؤتمرات الثقافيّة. لم أقوى على الردّ فالحالة لا يرثى لها.. ابتسمتُ.. أسئلة كثيرة راودتني في حين هي أمامي المندفعة المتقلّبة بين أكفّ الحرقة والحسرة.. أهكذا يُقاس الحبّ؟! أم أنّ للارتباط شروط تعجيزيّة نخطّها بأكفّنا لنترك بثقةٍ أسفلها بصماتنا المرتجفة!  أم أنّنا أبناء مجتمعٍ محاصر بسلاسلٍ لا أصل واضح لأقفالها. الأديان لم تأت بها. ولا العرف توقّف على مدار عقودٍ عندها..

تابعتْ “أيعقل!  من بين هؤلاء جميعهم! يا إلهي كيف لكاهلي أن يحمل ثقل حكاية عشقٍ تُهنا قبل أن نضع أولى خطواتنا عند عتبتها!  هل سأقتدي برجلٍ يصغرني سنّاً؟ وهل سيطأطأ رأسه عند كلّ مطلبٍ ب “نعم نعم”! أحبّه.. لكن لا يصلح بأن ألقّبه بِـ قائدي.. فالأصغر سنّاً لا يقودون.. فقط يتبعون”

وكانت كلّما اشتدّت حدّة عتابها لقدرٍ جمعهما.. كان يقابلها هناك في الضفّة الأخرى من الحديث “حدسي”.. هذا الأخير الذي يزداد ثقةً كلّما تفوّهتْ بكلمة.. يصقله إيماني المتوهّج بأنّها لن تكون يوماً شريكةً لسواه.. سواه هو.. فهذه الباقة المكتظّة من علامات تعجّبٍ رشقتْها.. واحدة تلو الأخرى.. ما كانت إلّا بداية فكّ قيودها نحوه.. فكّها بقوّة.. قيود مجتمعها.. هي فقط تريد أن تقنع نفسها به.. بهذه الملامح التي باتت هدفها بل ومصبّ حلمها.. بأنّ الحبّ قادرٌ على النفث في وجه أكبر قدْرٍ من الغبار المهترئ.. المبعثر هناك وهنا.. على هذا السطح وتلك النافذة.. إنّه الحبّ.. الدافع الأكبر.. العلاقة الأسمى.. غلافه خطٌّ أحمرٌ.. فيما هما جنوده المجنّدة..

قاطعتُها: “إذن ما بالي أراه يستلقي إلى هذه الساعة على امتداد عينيكِ.. يقفز ما بينهما ويشكّك بما تنطقين وبما أرى؟.. إنّك ترينه رقماً.. فقط رقماً.. ألا تخشين أن يبدو جليّاً لكل من تحدّث إليك! فيُقال عنكِ المتهوّرة تلك الغارقة في عشقٍ رجلٍ أكثر ما يمكنه فعله لأجلها أن يطأطأ لها رأسه بِ “نعم نعم”!! “

بغرابةٍ نظرتْ إليّ وحدّقتْ بي بشراسةِ أنثى “لكنّني أحبّه.. والفارق العمريّ ليس إلا رقماً لن يضيف إلى حبّنا صفةً ولن يُفقد حكايتنا بريقاً ولا رونقاً”
لعلّ ابتسامتي حينها لم تعد كافية.. فضحكتُ قائلةً لها: “وهل يُعقل هو من بين كلّ أولئك المقرّبون!”

كنت أقصد ما أفعل.. تماماً هذا ما أردتُه.. استنزاف صبرها.. فأحياناً التعرّي في إجاباتنا يجعلها تبدو أكثر واقعيّة مما كانت عليه لحظة تواريها خلف أفكارٍ هي حصيلة منهجية عشوائيّة لمجتمعاتٍ وشعوبٍ نحن أفرادها.. بل إحدى ضحاياها..

نحبّ.. نتوه في دهاليز المحبّ.. نحفظه عن ظهر قلبٍ.. نحبّ ما يحبّ حتى ولو كرهنا.. ونكره ما يكره حتى ولو أحببنا.. ترانا نشاركه تفاصيله دون حضورٍ موثّقٍ له.. لربّما نكتفي بصورته الغافية المعانقة لذاكرتنا.. أو لعلّنا نسعد بوفرة الحظِّ لامتلاكنا شرفةً مساحتها متراً واحداً وجدرانها متشقّقة.. فالحظّ وكلّ الحظّ بأنها تطلّ على هذا المفترق الذي يعبره الحبيب كلّ صباحٍ ليوقظ فينا من جديدٍ لحظات اللقاء الأولى.. نحبّ ووسط هذه الدوامة العميقة.. وبين ذراعي عالمٍ دافئ نرتمي بكلّ أثقالنا.. بجلّ أحلامنا.. بكومة ضحكاتنا.. نرتمي دون ترددٍ أو أدنى تفكيرٍ بهويّته المجهولة.. مهلاً.. أيحقّ لنا أن نضع علامات استفهامٍ لا منطقية تُفقد وجوه الحبّ مبسمها؟ أم أنّنا أقسمنا أن نشوّه السعادة كلّما اقتربت لتقبّلنا.. ما بالنا!! ما بالهم يتجاوزون أسوار الحبّ الآمنة لينقّبوا بين ممرّاته العتيقة باحثين عن دمى ممزّقة! كلّ هذه الشمس الساطعة أليست دافئة! أليست كافية أن تضيء عينيها وتجعلهما محطّ أنظاره الطامعة!؟ أم أننا نحن من صوّبنا خيوطها لتسطع فوق ندبةٍ كلّما داعب الهواء خصلات شعرها أظهرها. أفشى ما يختبئ ويتوارى.. ندبة ما كانت لتظهر لولا مشيئتنا.. لولا همجيّة الفكر المعادي للجميل.. لولا النهج المنقِّب عن منغّصاتٍ يستفزّها الجميل والجمال.. فكلّ القبح فيها.. ما بالنا! نخلّف ورائنا تسعة وعشرين جميلاً فيما يرهقنا الثلاثين.. حيث لا صوت له.. لا حركة فيه.. حتى أنّه لم يمسّ الحبّ فينا.. ولم يهدّد شملنا.. نحن مَن تبعناه.. لحقنا به.. تعقّبناه خطوة بخطوة.. لا سبب لهذا.. لا متّسع للوقت لدينا.. ولا مبرّر يشفع لنا فعلتنا.. كلّ ما في الأمر أنّنا أبناء مجتمعاتٍ درّبتنا.. ربّتنا وأحسنت تربيتنا.. ألا يخطف أنظارنا سوى هذا القبح المتواجد في صفةٍ بشريّة واحدة.. يخطف أبصارنا ويحملنا إلى أن نتجاهل التسعة وعشرين جميلاً في المحبّ.. لنقف عند الصفة الثلاثين الغير حاضرة.. ونظلّ على حالنا ومعتقداتنا.. نرى القبح بألوانه المختلفة فيما الجمال بأعيننا صورة قاتمة…صدقاً أسأل ما بالنا!؟

عادتْ لتسألني “ما رأيك! هل أنا صائبة!؟ “

لأجيبها ما كانت ستفي حيرتها كلمتان أو كلمة.. فالغوص في الإجابات والتنوّع فيها أمرٌ محتّم.. فالأحوال مختلفة لكن القضيّة واحدة “فارق العمر”.. هل حقاً فارق العمر بين الشريكين أمر يستحقّ التوقّف عنده قبل المضي قدماً نحو بداية شراكة موفّقة؟ وهل هناك حدّاً عمريّاً لا يمكن تجاوزه لنكن بمنأى عن حياةٍ زوجية منهكة؟ وهل لهذا الحبّ شروط واجب توافرها لضمان نجاح كمثل هذه العلاقات الملقّبة بِ “المهدّدة”!؟ وهل علينا مغادرة أرضها فوراً وبالسرعة القصوى!؟! أم أنّ الدراسات أتت لتنقذ بعضاً منّا فتؤيده فيما تعارض آخرين فتحذّرهم

نعم، ككلّ خطوةٍ جديّة في الإقبال على الزواج هناك أمور أساسيّة أقلّ ما يمكن فعله التوقّف عندها..ومن بينها “فارق العمر” لما لهذه المحطّة التفكّرية من أهميّة تنعكس مباشرةً على حياة الشريكين وعلى التفاهم الذي لا بدّ أن يطغى على شراكتهما..هو ذاته العامل الرئيسي الذي إن غاب قد يودي إلى الفشل في علاقتهما..فالحياة الزوجية قائمة على هذا الأخير الكفيل بجعل كل الأمور الحياتية تسير بانسيابٍ دون تعقيد من أحد الطرفين أو كليهما..وهنا يأتي فارق العمر ليضع علامة استفهامٍ مفادها “هل فارق العمر سلسٌ إلى الحدّ الذي قد يضفي على التفاهم مرونة!..أم أنّه عاملٌ يتّجه سلباً ليؤثر في تقلّصها أو غيابها؟!”

تأتي الدراسة لتجيب عن العلاقات الخاضعة لفارقٍ عمريّ متفاوت مدوّنةً أيضاً نسباً متفاوتة..حيث أشارت دراسة في ولاية جورجيا جامعة “إيموري” في مدينة أتلاتنا الأميركية أعدّاها الباحثان، أندريو فرانسيس وهوغو ميالن، تلك التي أجريت على ثلاثة آلاف شخص ليخرج الباحثان بنسبٍ متفارقة..والنتيجة: إذا كان الفارق في السن بين الشريكين ه سنوات فإنّه قد يعرض حياتهما لخلافٍ نسبته لا تتجاوز ١٨ في المئة فيما ترتفع نسب الخلاف المتوقّع بحسب الدراسة لدى الشريكين بفارقٍ عمريّ تعدّى ١٠ سنواتٍ ليصل لنسبة ٣٩ في المئة..فيما يتفاقم وتعلو نسبته إلى ٩٥ في المئة في حال كان الفارق بين الزوجين ٢٠ عاماً أو أكثر. وأضاف الباحثان خلاصة لهذه الدراسة التي استهدفت ثلاثة آلاف شخص بأنّ فارق العمر المثالي بين الزوجين هو “سنة واحدة”..

هذا يعني أنّ الأزواج الذين لا يفصلهم في السن سوى “عام واحد” قد يحظون بزواجٍ ذي حصانةٍ أصلب من علاقاتٍ زوجيّة لآخرين تتباعد أعمارهم بفارقٍ كبير ممّا يجعلهم أكثر عرضةً للخلافات بنسبٍ مغايرة..
لنعود يا عزيزتي إلى أنّ “الأعمار مجرّد أرقام”، وهناك ما هو أشدّ تأثيراً كالمشاعر الراقية المكلّلة بالإنسجام الفكري والتكافؤ في التحصيل العلمي إلا أنّ هذا لا يعني أن الإختلاف في كلّ هذا وغيره قد ينذر بزواجٍ فاشل..فالنجاح واردٌ تحت أيّ ظرفٍ أو مستوى معيشي أو حالةٍ إجتماعية ليظلّ التفاهم سيّد الموقف وصاحب الكلمة..

كما يمكننا اعتبار هذه الدراسة وغيرها مرجعاً لا يستهان به قبل اتخاذ قرار الزواج “العقد الأبدي”..فالأعمار أرقامٌ دنت أو ارتفعت..لا يهم..الأهم أن لا تتعدى سنواتٍ قليلة كضمانٍ شخصيّ لتقارب الأفكار وتبادل الآراء واندماج الفكر واندراجها جميعها تحت مسمّى “جيلٍ واحد”..

وعلينا أن لا ننسى بأنها “دراسة”..ففي ظلّ الأرقام المتفاوتة هناك ظروف إجتماعية مختلفة..عقول غير متشابهة..عصر في تجددٍ دائم وتطورٍ هائل..إذن من هو أجدر مَن يحكم على زواجكما أو تحديد مسار علاقتكما!؟

في الحقيقة أجدر مَن يطلق عنان علاقتكما نحو عقدٍ لا يحمل سوى اسميكما..هو “أنتما”..إختبرا نطاق أفكاركما..صدى ضحكاتكما..الأشياء التي تجذب انتباهكما..الموائد التي تجمعكما..الأفكار التي تدمجكما..وحيث نقطة الالتقاء أقبِلوا..وأعلنوا زواجكما..وإن تباعدت المسارات رحّبوا..وبكلّ سعة صدرٍ تقبّلوا..تيّقنوا بأنّكما لا تصلحان لبناء هذه المؤسسة..

تنهّدتْ..لأختم حديثي معها بعباراتٍ مفعمة بالسكينة والإيجابية تحفّزها نحو الإقبال على هذه الخطوة “الزواج”

“أنيقٌ هو الحبّ الذي ضمّكما ما بين ذراعيه ليصغي كلّ منكما للآخر متجاهلين كل ما يدور حولكما..أعينكما على الهدف..فالقلب بات واحداً..الرسالة ذاتها..حتى الطريق موحّد وكأنّه شُقّ لأجلكما..والآن لا ينقصكما سوى عبارة “أعلنكما زوجاً وزوجة”..لنصفّق لكما جميعنا مباركين مهنّئين قراراً لم يصدر عشوائيّاً بل كان وليد حبٍّ مكللٍّ بالتفاهمِ..هذا الأخير المدروس بِ “دقّةٍ وعنايةٍ مثلى”.

شاهد أيضاً

وزير البيئة انتقد “أبطال البيئة الجدد”: قريبون من بداية الحلول لأزمة نفايات الشمال!

عقد وزير البيئة فادي جريصاتي مؤتمرا صحافيا ظهر اليوم خصصه لأزمة النفايات في الشمال وللحديث …